أبي حيان الأندلسي
705
البحر المحيط في التفسير
يأكلون الربا ، وقيل : هو إخبار ووعيد عن الذين يأكلون الربا مستحلين ذلك ، بدليل قولهم : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ وقوله : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ « 1 » ومن اختار حرب اللّه ورسوله فهو كافر ، وهذا القيام الذي في الآية قيل هو يوم القيامة . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وجبير ، والضحاك ، والربيع ، والسدي ، وابن زيد : معناه لا يقومون من قبورهم في البعث يوم القيامة إلّا كالمجانين ، عقوبة لهم وتمقيتا عند جمع المحشر ، ويكون ذلك سيما لهم يعرفون بها ، ويقوي بهذا التأويل قراءة عبد اللّه : لا يقومون يوم القيامة . وقال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنقه كأنه يخبط في المعاملات في الدنيا ، فجوزي في الآخرة بمثل فعله . وقد أثر في حديث الإسراء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى أكلة الربا ، كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم ، وذكر حالهم أنهم إذا قاموا تميل بهم بطونهم فيصرعون ، وفي طريق أنه رأى بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم . قال ابن عطية : وأما ألفاظ الآية فيحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون ، لأن الطمع والرغبة يستفزه حتى تضطرب أعضاؤه ، كما يقوم المسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته ، إما من فزع أو غيره قد جن . هذا وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله : وتصبح عن غب السرى وكأنها * ألمّ بها من طائف الجن أولق لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل . انتهى كلامه . وهو حسن ، إلّا كما يقوم الكاف في موضع الحال ، أو نعتا لمصدر محذوف على الخلاف المتقدم بين سيبويه وغيره ، وتقدم في مواضع . و : ما ، الظاهر أنها مصدرية ، أي : كقيام الذي ، وأجاز بعضهم أن يكون بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره إلّا كما يقومه الذي يتخبطه الشيطان . قيل : معناه كالسكران الذي يستجره الشيطان فيقع ظهرا لبطن ، ونسبه إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره . وظاهر الآية أن الشيطان يتخبط الإنسان ، فقيل ذلك حقيقة هو من فعل الشيطان
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 279 .